الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
257
الأخلاق في القرآن
قَالتْ إِنّي نَذَرتُ لِلرَّحمانِ صَوماً أي صمْتاً فَاحْفَظُوا أَلْسِنَتَكُم وَغُضُّوا أَبْصارَكُم » « 1 » . ومن هذه الآية والرّوايات الشّريفة ، التي وردت في تفسيرها ، تتبيّن أهميّة وقيمة السّكوت ، في خطّ التّربية والتّهذيب . وفي الآية ( 10 ) من نفس السورة ، توجد إشارةٌ أخرى لفضيلة السّكوت ، وذلك عندما وهب الباري تعالى يحيى عليه السلام ، لنبيّه الكريم زكريّا عليه السلام ، فخاطب الباري تعالى ، وقال : « قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً » ، فقال له : « قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا » ، ولا تحركه إلّا بذكر اللَّه . وصحيح أنّ هذه الآية لم تَحمد ولم تَذم السّكوت ، ولكن قيمة السّكوت تتّضح ، من جعله : آيةَ النّبي زكريا عليه السلام . وورد نفس هذا المعنى ، في الآية ( 41 ) من سورة آل عمران ، فبعد تلقّيه البشارة من الباري تعالى ، طلب أن يجعل له آيةً في دائرة تقديم الشّكر للباري تعالى ، فقال له : « قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً » . واحتمل بعض المفسّرين ، أنّ امتناع زكريا عليه السلام عن الكلام ، كان باختياره ولم يكن مجبوراً عليه ، والحقيقة أنّه كان مأموراً بالسّكوت لمدّة ثلاثة أيّام . يقول الفَخر الرّازي ، نقلًا عن « أبي مسلم » : أنّ هذا النحو من التّفسير جميلٌ ومعقولٌ ، لكنّه مخالفٌ لسياق الآية ، فزكريّا عليه السلام طلب آيةً لمّا بُشّر بيحيى ، والسّكوت الاختياري لا يكون دليلًا على هذا المعنى ، إلّا بتكلّف وتحميل على المفهوم من الآية الشّريفة . وعلى أيّةِ حال فإنّ هذا الاختلاف في تفسير الآية ، لا يُؤثّر على ما نحن فيه ، لأنّ غرضنا من إيراد هذه الآيات ، هو التّنويه بقيمة السّكوت في القرآن الكريم ، باعتباره آيةً من الآيات الإلهيّة .
--> ( 1 ) . نور الثّقلين ، ج 3 ، ص 332 .